رد شبهة حديث : “في أصحابي اثنا عشر منافقاً”

بسم الله الرحمن الرحيم ؛

يتهم الشيعة الإمامية عامة الصحابة بالنفاق ، ويجعلون المجتمع الذي رباه النبي (صلى الله عليه وسلم) على عينيه ، وأسس بنيانه بيديه الشريفتين ، وأفنى عمره في تعليم أهله الإيمان ، وتوجيههم إلى سبيل الله (تعالى) ؛ هذا المجتمع الذي نصر الله (عز وجل) به الدين ، وجاهد أهله مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ضد أعدائه من الكفار ، حتى مكّن الله (سبحانه وتعالى) بهم دينه في الأرض ، وأظهره على الدين كله رغماً عن الكافرين ، محققاً بهم موعوده إذ قال (سبحانه) :

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ۞ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)

التوبة : 32-33

والشيعة تردّ على الله (عز وجل) قوله ، وتجعل الكافرين قد أطفأوا نور الله (تعالى) بأفواههم ، وتمكنوا من دولة الإسلام التي شيدها النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه ونسفوها ؛ حتى غلبوا إرادة الله (عز وجل) ؛ سبحان الله وتعالى علواً كبيراً من هذا الرأي القبيح .

ويزعمون أيضاً أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفلح في تحقيق وعد الله (عز وجل) في هذه الآية ، وأن الدين الحق لم يظهر على الدين كله ! .. بل إن من سيظهر الدين كله هو مهديهم المنتظر ، الذي رفعوه بذلك فوق رتبة النبوة ، باستطاعته تحقيق ما لم يقدر عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) بزعمهم ! فأي نقيصة وأي طعن في دين الله (تعالى) أبلغ من ذلك ؟!

وقد كنا تكلمنا من قبل عن ثبوت عدالة الصحابة بدلالة النقل الصحيح والعقل الصريح ؛ وبيّنا أن القرآن يفيض ثناء ومدحاً لهم ، وأن دلائل عدالتهم وصلاحهم محكمة صريحة ، لا تنهض لها متشابهات الأدلة التي يتبعها الشيعة الإمامية ، والتي ليست بمستوى الإحكام والصراحة التي عليها دلائل عدالتهم .

ومن شبهاتهم التي اتخذوها دليلاً ؛ حديث :

في أصحابي (وفي رواية : في أمتي) اثنا عشرَ مُنافقًا . فيهم ثمانيةٌ لا يدخلون الجنةَ حتى يلِجَ الجملُ في سَمِّ الخياط

[مسلم]

قالوا : وفي هذا الحديث دليل على أنه كان من الصحابة منافقون ! .. فإن صحّ ذلك ، فإن جميع الصحابة عرضة للشك والتهمة ، فسقط القول بعدالتهم .

وجواب ذلك من وجوه :

الأول : أن النصوص الشرعية لا تؤخذ منفردة حتى تُعرض على الأصول والقواعد الشرعية الثابتة المقررة بالنصوص المحكمة من الكتاب والسنة ؛ فإن وافقها وإلا اعتبر هذا النص من المتشابهات التي لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم ؛ والتي ينبغي لمن لم يوفقه الله (تعالى) للوقوف على الحكمة منها أن يفوّض علمها لله (تعالى) . (راجع مقالة : منهج الاستدلال الشرعي بين السنة والشيعة) .

الثاني : الصحابة طوائف وأصناف ، فمنهم المهاجرون ومنهم الأنصار ، وهؤلاء هم صفوة أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين تواترت الأدلة على عدالتهم وصلاحهم ، ونزلت آيات القرآن بيّنات تثني عليهم وتمدحهم وتؤكد صدقهم وإخلاصهم . فهم أول من جاهد مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ونصر الله (تعالى) بهم الدين ؛ وابتلى الله إيمانهم ، وامتحن صدقهم في مواطن كثيرة ، وقد أظهروا من صحة الإيمان وسلامة اليقين ما يرفع عنهم أدنى شك في استقامتهم . ومن الصحابة أيضاً من أسلم بعد الفتح ، ومنهم أعراب مؤمنون ، ومنهم زعموا الإيمان فارتدوا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ وغير ذلك كثير . فإن اتفقنا على عدالة المهاجرين والأنصار ابتداءً ، وأنهم غير معنيين بهذا الحديث بوجه من الوجوه ، وذلك لوجود النصوص المثبتة لعدالتهم تخصيصاً ، وعدم صراحة هذا الحديث في تحديد أعيان هؤلاء المنافقين أو أسمائهم ؛ فإن اتفقنا على ذلك ، وجب لزوماً أن نتفق على صحة المنهج الذي سار عليه هؤلاء المهاجرون والأنصار بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وهذا ينقض مذهب الشيعة الإمامية من أساسه .

الثالث : في هذا الحديث مدح ظاهر لعموم الصحابة ، وشهادة من النبي (صلى الله عليه وسلم) لصحة إيمانهم ؛ فإن الصحابة الذين بلغوا أكثر من مئة ألف نفس ، ليس فيهم سوى اثني عشر منافقاً ؛ وهذا يقتضي بالضرورة العقلية البديهية أن الركب والمسير الذي سلكه عامة الصحابة بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) لم ينحرف ولم يتغير ! .. فالاثنا عشر منافقاً ليس بوسعهم شيء أمام مئة ألف من كبار المؤمنين الصالحين ! .. ومحال على الله (تعالى) أن يجعل أمر أمة نبيه (صلى الله عليه وسلم) بيد منافقين يفسدونها ويحرفوا دينه الذي ارتضاه حجة على خلقه إلى قيام الساعة (راجع مقالة : ثبوت عدالة الصحابة بحجة النقل الصريح والعقل الصحيح .

الرابع : لم يترك الله (سبحانه وتعالى) المسلمين دون علامات ودلائل يعرفون بها المنافقين من غيرهم . فسورة التوبة تطفح بما يفضح المنافقين من سلوكيات وصفات يعرفها الناس فيحذرونهم . فيستحيل – عندئذ – على منافق أن يستتر في أمة الصالحين دون أن يهتك الله ستره ويكشف زيفه ونفاقه . فكيف لو عرفت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد أخبر حذيفة (رضي الله عنه) بأسماء هؤلاء المنافقين الاثني عشر ؟! وقد سرد الطبراني في “مسند حذيفة [33:17]” أسماءهم جميعاً ؛ فلم يعد للشيعة الإمامية بعد ذلك مستمسك بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه .

هذا ، والله أعلم .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله