منهج الاستدلال الشرعي بين السنة والشيعة [الجزء الأول]

بسم الله الرحمن الرحيم ؛

إن أي مذهب أو توجّه ديني لا بد له من أصول فقهية وقواعد فكرية ينطلق منها في فهمه للنصوص الشرعية ، , والتي هي بمثابة المعالم التي يرتسم بها هذا المذهب ويتشكّل وفق حدودها . فكل مذهب يتميز عن غيره من المذاهب بهذه الأصول ؛ ويكون معيار الحكم عليه بالهداية أو الضلال هو بحسب موافقة أصوله للحق ومطابقتها للصواب .

فالخلاف في الأحكام والمسائل الشرعية هو نتاج طبيعي للتباين في تناول النصوص الشرعية وفهمها على نحو صحيح ، وذلك يرجع ابتداء وأساساً إلى الخلاف في تحرير هذه الأصول والقواعد التي ينطلق منها أصحاب كل مذهب في فهمهم للدين . وقد قالت العلماء فيما مضى : فساد الفروع نتيجة حتمية لفساد الأصول .

فحيث يفهم الشيعة الإمامية من نحو قوله (تعالى) :

إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

الأحزاب : 33

أنها دليل على عصمة “آل البيت” من الخطأ والسهو وأي أنواع الزلل ، وذلك لانطلاقهم من أصل ثابت من أصول المذهب ينص على عصمة الأئمة الاثني عشر الذين ينتسب إليهم الشيعة ؛ فإن أهل السنة والجماعة – في المقابل – لديهم فهم مختلف تماماً لهذه الآية : أن المراد منها هو تكفير الذنوب وحط الخطايا عمّن اتبع أمر الله (تعالى) من آل البيت ؛ ولا يقيمون لمسألة “العصمة من الخطأ” التي عند الشيعة أي اعتبار ، وذلك لأنها لا تثبت عندهم ، ولا يؤمنون بها في غير الأنبياء (عليهم السلام) .

ثم قس على ذلك جميع النصوص الشرعية التي وقع فيها الخلاف بين الطوائف ، تجد أن كل طائفة لها فهم مغاير لما عليه الطائفة الأخرى ، وسبب ذلك الأساس هو المنطلقات الأصولية التي اتخذتها كل طائفة لنفسها في فهم الدين .

سبب الخلاف في تقرير الأصول بين السنة والشيعة

جميع أهل الأديان مقرّون ، بلا خلاف معتبر بينهم ، أن الدين إنما وصلهم بالوراثة عن آبائهم وأجدادهم ؛ وكذلك يقول أهل السنة والشيعة أيضاً . لكن التنازع وقع بين هاتين الطائفتين على كنه حملة هذا الذين الذين أورثوه لمن بعدهم ، ومدى استحقاقهم لحمله وتوريثه .

فبينما يعتقد أهل السنة والجماعة أنهم صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، يرى الشيعة الإمامية أنهم فقط أئمة آل البيت الثلاثة عشر الذين يزعمون فيهم العصمة .

وفي حقيقة الأمر ، لا يرى أهل السنة والجماعة تعارضاً البتة بين تلقي الدين من الصحابة (رضي الله عنهم) أو من آل البيت (عليهم السلام) ، فكلاهما على طريقة واحدة ومنهج موافق في الاتباع وفهم النصوص الشرعية ، إذ أن مرجعهم الأول في ذلك هو النبي (صلى الله عليه وسلم) ، الذي تلقوا منه جميعاً الدين وفهموه بحسب ما علّمهم إياه .

لذلك لا تجد حرجاً عند أهل السنة في الرواية عن هؤلاء الأعلام من آل بيت النبوة (رضي الله عنهم) ؛ فهم قد رووا عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحاديث صحيحة معتمدة ، ورووا كذلك عن فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) عدة أحاديث معتمدة .

من أجل ذلك نقول : إن اتباع آل البيت (عليهم السلام) لا بد أن يؤدي بالضرورة إلى اتباع الصحابة (رضي الله عنهم) والإقرار بمكانتهم في حمل الدين وتوريثه ، إذ أنهم كانوا جميعاً على وفاق ووئام ، وعلى منهج واحد ثابت في التديّن .

فإن أردت أن تضبط حقيقة مصدر التنازع ، فإنك تجد منشأها وأساسها هو في التفريق بين جماعة المسلمين المتمثلة بعموم الصحابة (رضي الله عنهم) ، والانحياز لطائفة قليلة منهم متمثلة بآل البيت (عليهم السلام) وفصلها عن عامة الأمة الإسلامية ، التي تشكل الوريث الحقيقي للإسلام بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، كما قال (تعالى) :

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

فاطر : 32

وليصفو لهم مخالفة عامة الأمة الإسلامية في الصدر الأول من الإسلام ، فقد عملوا على تخوين الغالبية العظمى من الصحابة (رضي الله عنهم) ووصمهم بالردة عن الدين ومعصية الرسول ، وافتروا عليهم الأباطيل من تبديل الدين والكذب على النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ وجعلوا بقية الحق عند بضعة نفر منهم لا يجاوزون العشرة ، وذلك لأجل أن ينفصلوا عن عامة الأمة الإسلامية وعن دينها الذي تدين به ، فيكونوا أمة مستقلة بنفسها ؛ ولولا خشية علمائهم من انفضاض عوامهم من حولهم وتركهم لهذا المذهب ، لوجدتهم قد كفروا بالقرآن الكريم ليتم لهم الانفصال التام عن الأمة الإسلامية ؛ مع أن بعض علمائهم تجرأ على ذلك بأبلغ ما تكون الوقاحة ، كما تجد ذلك في مقالتنا : تحريف القرآن عند الشيعة بين الحقيقة والافتراء .

وإمعاناً في إفساد الدين وحرفه عن سبيله القويم : ادعوا العصمة في أئمتهم المتبوعين ، حتى يكون كلامهم وحياً منزلاً واجب الإيمان والاتباع ، بمنزلة كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) في التشريع .

وبدعة “عصمة الأئمة” هي أكبر بدعة أتى بها الشيعة الإمامية ، ولا تعجب إن زعمنا أنه لا يوحي بمثلها إلا شيطان رجيم ، بالغ الخبث والدهاء ؛ وهذه البدعة أساس مذهبهم كله ، ومصدر كل الانحرافات والاختلافات التي يعاني منها هذا المذهب .

دواعي بدعة “عصمة الأئمة” في المذهب الشيعي

إذا نظرت في سائر المذاهب الإسلامية ، لا تجد بدعة “عصمة الأئمة” عند واحد منهم ، مهما بلغ من ضلاله وفجوره ، إلا عند الشيعة بشتى فِرقها ومذاهبها ؛ وهذا إحدى الدلائل القوية على فساد هذه البدعة وعدم وجودها في الإسلام أصلاً . إذ لو كانت حقاً ، لوجدت كل طائفة من المسلمين قد جعلت لنفسها أئمة اثني عشر يتبعونهم ويزعمون فيهم العصمة .. ولوجدت أهل السنة مثلاً قد اتخذت من الخلفاء الراشدين الثلاثة ومن بعدهم أئمة معصومين ! .. ولوجدت عند سائر الطوائف من غير الشيعة مثل ذلك . وذلك لأن الأصل الإسلامي الثابت الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم) وتضافرت عليه النصوص الشرعية : لا يستطيع مسلم واحد أن يجحده أو ينكره أو يخفيه ، خاصة مع شيوع أمره وعلم جميع الناس به . ولكن ما يستطيعه أهل البدع والأهواء هو الإيمان به من حيث الأصل ، ثم إحداث التغيير في بعض وجوهه وجوانبه حتى يوافق أهواءهم .

ومثال ذلك الصلاة : فقد اتفقت جميع المذاهب الإسلامية على أصل وقتها وعددها وشعائرها ، ولكنها اختلفت في الأوراد والأذكار فيها ، والشيعة زادت في هيأتها بعض الحركات والإشارات ؛ وبالغت في مسألة “الجمع بين الصلاتين” ، حتى بات من خصائص مذهبهم الذي يخالفون به عامة الناس .

وخذ الصيام والحج ، وخذ مسائل تحريم الخمر والزنا والربا وغير ذلك كثير .. فإن الخلاف بين أهل الحق وأهل الباطل المنتسبين للإسلام ليس في الإيمان بصحة هذه الأصول وأنها من أبرز معالم دين الإسلام ، ولكن الخلاف حاصل في تنزيل أحكام هذه المسائل على الواقع .

فالشيعة مثلاً ، تؤمن بحرمة الزنا ، ولكنها في المقابل تحتال عليه بمسلك “المتعة” .

لذلك نقول اختصاراً : لو كانت بدعة “عصمة الأئمة” من أصول الدين الواجبة ، لوجدت كل فرقة إسلامية عندها أئمة تعتقد فيهم العصمة ، بغض النظر عن أسماء هؤلاء الأئمة أو أشخاصهم .

فما الداعي إذن لابتداع هذا الأصل الجديد في الدين ، وجعله سمة مميزة لمذهب الشيعة الإمامية ؟ وما الفائدة التي جناها مؤسسو مذهب الشيعة الإمامية من ذلك ؟

جواب ذلك في عدة مسائل :

  • الأولى : أن الدين إنما يتلقاه الناس بالوراثة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) عبر حملة هذا الدين الحافظين له . كما جاء في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) :
    يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين

    [رواه أحمد وجماعة]

    وهذه حقيقة مثبتة عند كل أهل الديانات ، فجميعهم أخذوا دينهم عمّن سبقهم ، حتى تنتهي السلسلة إلى المبلّغ الأول لهذا الدين ، وهو النبي .

    فلما كانت الحال كذلك ، ولأجل غرض تحريف الدين ، فإنه ينبغي حرف مسيرة وراثة هذا الدين لتكون من غير النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ ولا تتحقق لهم هذه الغاية إلا بوجود شخص يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وسلم) في أقواله وأفعاله ، بحيث يكون كل ما صدر عنه من الدين الذي يلزم جميع المسلمين ، وهذا لا يتحقق إلا بأن يكون معصوماً من الخطأ .

  • الثانية : لقد ابتلى الله (عز وجل) أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) بشتى أنواع البلايا الشديدة والمصائب العظيمة التي لا يصبر عليها إلا مؤمن صادق الإيمان ، وذلك حتى يمتحنهم ويرى صدقهم . فكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذي صبروا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) في عهد الاستضعاف والقلة والمذلة ، وجاهدوا معه وضحوا بأنفسهم : كانوا أصح الناس إيماناً ، وأصدقهم قولاً وفعلاً ؛ فتمايزت عند ذلك الصفوف ، وعرف الناس المؤمن صادق الإيمان ، من المنافق المستتر بإيمانه ؛ خاصة بعد أن فضحهم الله (تعالى) في كتابه وأنزل فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة .

    وإذ كان قد استحال على المنافقين أن ينتموا إلى هذه الفئة الصادقة من المسلمين ، فيكونوا أهلاً عند الناس لحمل هذا الدين وتبليغه ، أنتج لهم مكرهم وخبثهم أن يجعلوا في الناس أشخاصاً لهم حكم النبي في التبليغ وليسوا هم بأنبياء ، ثم يكون هؤلاء المنافقون من جملة أصحابهم الذين يروون عنهم الدين إلى الناس .

    ولأن الله (عز وجل) لم يمتحن ولم يبتل غير أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ليظهر صدقهم للناس ، فقد استطاع هؤلاء المنافقون أن يكونوا في عداد أصحاب هؤلاء الأئمة ، وينتموا إلى خواصهم ، فظهروا للناس على هذا النحو الذي أرادوه ، فانفتح لهم الكذب على هؤلاء الأئمة وتقويلهم الأقوايل الباطلة ، ثم إشاعتها في الناس .

    ولأن الناس ستأخذ أقوالهم بمأخذ أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) في الدين ، لا بمأخذ البشر الذي يخطئ ويصيب ، فإن أقوال هؤلاء الأئمة صارت ديناً متبعاً لازماً .

نتيجة بدعة “عصمة الأئمة”

فاستحال الأمر بعدئذ أن كان لأهل السنة مرويات حديثية تختلف عن تلك التي عند الشيعة الإمامية ، وما أنتجه ذلك بديهة من اختلاف أصول التلقي والفهم للدين ، وما نجم عنه تبعاً حتمياً اختلاف الأحكام الشرعية ؛ فصار الناس أمام شريعتين مختلفتين كثيراً للإسلام ، كل منهما تزعم أنها على الحق الذي أراده الله (سبحانه وتعالى) .

فلم يبق بعدئذ من مصدر موافق مُجمع عليه أنه الحق ، ويكون فصلاً في النزاع ، إلا القرآن الكريم ..

يتبع إن شاء الله في الجزء الثاني ..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله