تحريف القرآن عند الشيعة بين الحقيقة والافتراء

حفظ القرآن عن التحريف أو التبديلبسم الله الرحمن الرحيم ؛

إن تهمة “تحريف القرآن” عند الشيعة الإمامية قد نالت حيزاً كبيراً من الاهتمام عند الباحثين في المذاهب الإسلامية من كلا الطرفين ، سواء من أهل السنة أم من الشيعة أنفسهم .

وفي حين أن أكثر الباحثين قد جعل الغاية من مسعاه الانتصار لفكرته ، والتحزب لجماعته ، وقطع الحجة على مخالفه وقمعه ؛ حتى لو استدعى ذلك منه المكابرة الصريحة على الأدلة الظاهرة ، أو الكذب والافتراء إن اقتضته الضرورة لذلك ؛ أقول : في حين أن أكثرهم كذلك ، فإن هناك طائفة من أهل التقوى والعدل ، لا يحيد بهم الهوى عن سلوك طريق الحق متى ما تبين لهم ، وإن كان ذلك ثقيلاً على أنفسهم ؛ واضعين نصب أعينهم تحري الحق والعمل به لا غير ؛ وإلى هؤلاء نتوجه بهذه المقالة ، عسى الله (تعالى) أن ينفع بها ويجعل منها فاتحة خير وهدى لمن صدق الله (عز وجل) في قصده وأخلص له في نيته .

ملخص البحث

بعد النظر في أدلة الباحثين من السنة في اتهامهم للشيعة بالقول بـ “تحريف القرآن” ، بل ووقوع هذا التحريف حقاً عندهم بإضافة بعض السور المكذوبة إليه ؛ وبعد النظر في دفاع الشيعة عن أنفسهم ومحاولاتهم تفنيد هذه الاتهامات ، خلصنا في بحثنا هذا إلى ما يلي :

  • أولاً الغالبية العظمى من عوام الشيعة وجهلتهم لا يعتقدون بتحريف القرآن الذي بين أيدينا اليوم والمعتمد في شتى بقاع الأرض .
  • ثانياً لقد ثبت بالدليل القاطع ، والبرهان الساطع ، أن هناك طائفة قليلة من علماء الشيعة الإمامية المعتبرين والمشهود لهم بالإمامة والتبحر في العلم ، والمعتمدين في أخذ المذهب عنهم ، قد جهروا بوقوع التحريف في القرآن ، إما من جهة النقص أو تغيير اللفظ ، وأن القرآن الذي بين أيدينا اليوم ليس هو القرآن الكامل الصحيح الذي ارتضاه الله (تعالى) لعباده .
  • ثالثاً مع كون أكثر علماء الشيعة لا يقولون بالتحريف ، بل ويعترفون أن القرآن المتداول اليوم هو نفسه القرآن الذي أنزله الله (عز وجل) بتمامه ، لا ينقص ولا يزيد حرفاً ؛ فإننا نرى منهم إعراضاً كبيراً عن تعلم كتاب الله (تعالى) وتعليمه ؛ وأكثر ما نجد منهم نحوه هو الهجران والتهوين من قدره ، واعتماد الروايات الحديثية المنقولة إليهم عن آل البيت أو علمائهم وتقديمها على آيات القرآن ؛ بما يحملنا على الشك في صدق نواياهم في هذا الأمر ؛ ولعل دافعهم في أن يقولوا بعصمة القرآن من التحريف هو خشية أن ينقلب عليهم الناس ويتركوا مذهبهم . وقد يكونون في قرارة أنفسهم يرون بالتحريف ، ويتداولون هذا بين الخاصة دون العامة ، والله أعلم.
  • رابعاً من أصول الدين الكبرى المعتمدة في مذهب الشيعة : مخالفة أهل السنة والجماعة في جميع أمورهم ، وأن عامة الصحابة ، إلا نفراً قليلاً ، قد ارتدوا عن الدين وخانوا الله ورسوله . وهذا الأصل في مذهبهم يقتضي بالضرورة القول بتحريف القرآن . لأن الصحابة (رضي الله عنهم) هم الذين جمعوا القرآن ، وهم الذين اعتمدوه ونشروه في الناس في سائر الأقطار . وحيث إن الخائن والمنافق لا يمكن ائتمانه على الدين ولا تصديقه في أخباره ، فإن هذا يلزم منه حتماً عدم الإيمان بالقرآن الذي جمعوه وعمموه على الناس .
  • خامساً يدافع الشيعة عن أنفسهم في هذا الأمر ويقولون إن القول بتحريف القرآن الوارد عن بعض علمائهم الكبار ليس لازماً لعامة المذهب ، فإنهم اجتهدوا وأخطأوا ، خاصة مع كون جمهور علمائهم على خلاف هذا القول ؛ وعلى ذلك فلا يجوز الطعن في مذهب الشيعة ووصمه بهذا العار . فيقال رداً عليهم : إنكم تتبرأون من كل من يطعن في إمامة أحد أئمتكم الاثني عشر ، وتخرجونه من مذهبكم ، وتجعلونه ضالاً منحرفاً لا يجوز أخذ العلم منه . بينما لما وقع الطعن في القرآن من قبل بعض علمائكم المعتمدين ، فإنكم اتخذتم لهم العذر وجعلتم ذلك من مسائل الاجتهاد ، ولم تتبرأوا منهم ؛ بل وما زلتم على تعظيمكم لهم وأخذ الدين عنهم ؛ وهذا إن دل على شيء ، فإنما يدلّ على أن القرآن عندكم ليس مصدراً مهماً من مصادر التشريع ، بل وربما يجوز عندكم الاستغناء عنه بالكلية ؛ لأنكم تأخذون دينكم ممن يطعن فيه ، وتجعلونه عالماً معتبراً في المذهب ، وهو ينطلق في أحكامه من غير القرآن ! فقضية تحريف القرآن عندكم هي قضية فرعية اجتهادية لا أكثر ، ولا تقدح في عدالة الشخص القائل بها . بينما من يطعن في إمامة واحد من أئمتكم ، فإن اجتهاده غير مقبول بالمرة ، وقد ضلّ وانحرف وصار من أولياء الشيطان الذين لا يؤتمنون لا على دين ولا على دنيا . فلماذا ، بعد كل ذلك ، لا يتبرأ الشيعة من هؤلاء العلماء ، وما زالوا يعتبرونهم من الثقات العدول الذين لا مطعن لهم في ولايتهم في المذهب ؟

وبعد هذه المقدمة المختصرة ، نأتي إلى التفصيل ..

مكانة القرآن عند الشيعة

يرى الشيعة الإمامية القرآن أصلاً ضرورياً حتمياً من أصول التشريع الإسلامي وتبيين معالم المذهب ؛ وقد وردت عنهم روايات متواترة في هذا الصدد ، نذكر منها :

الحديث ، وفيه : ألا وإني سائلكم غداً ماذا صنعتم فيما أشهدت الله به عليكم في يومكم هذا إذا وردتم علي حوضي ، وماذا صنعتم بالثقلين من بعدي ؛ فانظروا كيف تكونون خلفتموني فيهما حين تلقوني . قالوا : وما هذان الثقلان يا رسول الله ؟ قال : أما الثقل الأكبر فكتاب الله (عز وجل) ، سبب ممدود من الله ومني في أيديكم ، طرفه بيد الله والطرف الآخر بأيديكم ؛ فيه علم ما مضى وما بقي إلى أن تقوم الساعة . وأما الثقل الأصغر : فهو حليف القرآن ، وهو علي بن أبي طالب و عترته (عليهم السلام) ؛ وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . قال معروف بن خربوذ : فعرضت هذا الكلام على أبي جعفر (عليه السلام) فقال : صدق أبو الطفيل (رحمه الله) ، هذا الكلام وجدناه في كتاب علي (عليه السلام) وعرفناه .

[الخصال للصدوق – ص 65 – 67]

ففي هذا الحديث بيان أن الثقل الأكبر عند الشيعة هو القرآن ، وأن أئمة آل البيت (عليهم السلام) هم الثقل الأصغر ؛ فمن الأولى أن يكون أكبر الاهتمام والتعظيم منصرفاً للقرآن على غيره من مصادر التشريع ، وأن الطاعن في القرآن إنما يطعن في أصل الدين الذي لا يصح إسلام أي شخص إلا به . فما التفسير المنطقي الذي يدفع الشيعة للتهوين من هذه القضية ، واعتبارها من قضايا الاجتهاد التي تقبل الأخذ والرد ، والتي لا يحل بها إسقاط مكانة العلماء الذين قالوا بهذا القول الشنيع ؟

لا نجد أمامنا إلا جواباً من اثنين : إما أنهم يرون أن القرآن الذي نزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) هو غير القرآن الذي بين أيدي الناس ، فصار الطعن به مباحاً لا شيء فيه ؛ وإما أنهم لا يقيمون لهذا القرآن وزناً ولا اعتباراً ، وليس في قلوبهم له أي تعظيم ، ولذلك فالطاعن فيه والمنتقص منه لا تسقط إمامته عندهم ولا يقدح في عدالته ؛ لأنه إنما يكون قد طعن في فرع من فروع الدين لا أصوله ! .. وبأي الاحتمالين أخذت ، فالشيعة الإمامية أمام معضلة حقيقية في إثبات صحة انتسابهم للإسلام ، وأن قضية تحريف القرآن وتعاطي علمائهم معها على أنها باب من أبواب الاجتهاد تفرض نفسها عليهم في كل محفل .

إثبات القول بتحريف القرآن عند بعض أئمة الشيعة

هذه بعض النصوص المقتبسة من كتب بعض كبار علماء الشيعة ، يثبت فيها مؤلفوها أن بعضاً من كبار وعظماء مراجع الشيعة قد قالوا بتحريف القرآن الكريم . فليس هذا قولنا ولا شهادتنا ، بل شهادتهم هم على أنفسهم . ولن نورد في هذا المقام مروياتهم الحديثية عن آل البيت في تحريف القرآن ، فإنهم يخرجون من إلزماتها بتضعيفها تارة ، أو تخطئة أفهامنا لها تارة أخرى ؛ لذلك آثرنا أن ننقل فهم علمائهم لهذه المرويات . وإليكم بعضاً من هذه النصوص عن علمائهم :

النص الأول

قال الفيض الكاشاني : وأما اعتقاد مشايخنا (ره) في ذلك : فالظاهر من ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (طاب ثراه) أنه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن ، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه الكافي ، ولم يتعرض لقدح فيها ، مع أنه ذكر في أول الكتاب أنه كان يثق بما رواه فيه . وكذلك أستاذه علي بن إبراهيم القمي (ره) ، فان تفسيره مملوء منه ، وله غلو فيه . وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي (رضي الله عنه) ، فانه أيضا نسج على منوالهما في كتاب الاحتجاج .
تفسير الصافي – الفيض الكاشاني – ج 1 ص 52

النص الثاني

قال يوسف البحراني : اختلف أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) في وقوع النقصان والتغيير والتبديل في القرآن ، فالمشهور بين أصحابنا – بل نقل دعوى الإجماع عليه – هو العدم ، وهو الذي ارتضاه المرتضى (رضي اللّه عنه) ، وشنّع على من خالفه ، وأطال في ذلك ، كما هي عادته ، وهو مذهب الشيخ ، والصدوق بن بابويه ، والشيخ أبي علي الطبرسي في “مجمع البيان”. و ذهب جمع إلى وقوع ذلك ، وبه جزم الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره ، و هو ظاهر تلميذه الكليني أيضا في “الكافي” ، حيث أكثر من نقل الروايات الدالة على الحذف و النقصان ، ولم يتعرض لردّها ولا تأويلها ، و ظاهر الثقة الجليل أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في كتاب “الاحتجاج” .

بالتقريب المذكور ، وهو الظاهر عندي ، و به جزم شيخنا المحدّث الصالح الشيخ عبدالله بن صالح البحراني في كتاب “منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين” ، وهو الذي اختاره شيخنا مفيد الطائفة الحقة ، ورئيس الملة المحقة (قدّس سرّه) في “أجوبة المسائل السروية” ؛ قال (عطّر اللّه مرقده) :”إن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام اللّه (تعالى) ، وليس فيه شي‏ء آخر من كلام البشر ، وهو جمهور المنزل ، والباقي ممّا أنزل اللّه قرآناً : عند المستحفظ للشريعة ، المستودع للأحكام ، لم يضع منه شي‏ء ؛ وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك ، منها قصوره عن معرفة بعضه ، ومنها ما شك فيه ، ومنها ما تعمد إخراجه.
الدرر النجفية – يوسف البحراني – ج 4 ص 65 – 66

النص الثالث

قال المجلسي : وذهب الكليني والشيخ المفيد (قدس الله روحهما) وجماعة إلى أن جميع القرآن عند الأئمة (عليهم السلام) ، وما في المصاحف بعضه ؛ وجمع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) كما أنزل بعد الرسول (صلى الله عليه وآله و سلم) ، وأخرج إلى الصحابة المنافقين فلم يقبلوا منه ، وهم قصدوا لجمعه في زمن عمر وعثمان .
مرآة العقول – محمد باقر المجلسي – ج ‏3 ص 31

النص الرابع

قال السيد الطيب الجزائري : أما الخاصة : فقد تسالموا على عدم الزيادة في القرآن ، بل ادعي الإجماع عليه . أما النقيصة ، فإنه ذهب جماعة من العلماء الإمامية إلى عدمها أيضاً ، وأنكروها غاية الإنكار ؛ كالصدوق ، والسيد مرتضى ، وأبي علي الطبرسي في “مجمع البيان” والشيخ الطوسي في “التبيان” ؛ ولكن الظاهر من كلمات غيرهم من العلماء والمحدثين المتقدمين منهم والمتأخرين القول بالنقيصة ؛ كالكليني ، والبرقي ، والعياشي ، والنعماني ، وفرات بن إبراهيم ، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي (صاحب الاحتجاج) ، والمجلسي ، والسيد الجزائري ، والحر العاملي ، والعلامة الفتوني ، والسيد البحراني ؛ وقد تمسكوا في إثبات مذهبهم بالآيات والروايات التي لا يمكن الإغماض عنها .
تفسير القمي – مقدمة المصحح السيد الطيب الجزائري – ج 1 ص 23 – 24

النص الخامس

قال المجلسي : والأخبار من طريق الخاصة والعامة في النقص والتغيير متواترة ؛ والعقل يحكم بأنه إذ كان القرآن متفرقاً منتشرا عند الناس، و تصدي غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع، لكن لا ريب في أن الناس مكلفون بالعمل بما في المصاحف و تلاوته حتى يظهر القائم عليه السلام، و هذا معلوم متواتر من طريق أهل البيت عليهم السلام و أكثر أخبار هذا الباب مما يدل على النقص والتغيير .
تفسير القمي – مقدمة المصحح السيد الطيب الجزائري – ج 1 ص 23 – 24

وفيما يلي صورة من كتاب أحد علمائهم المبجلين يثبت فيها تحريف بعض آيات القرآن الكريم :
إثبات الخوئي لتهمة تحريف القرآن على الشيعة

دفاع الشيعة عن أنفسهم

يسلك الشيعة الإمامية مسلكين في دفع تهمة تحريف القرآن عن أنفسهم :

  • أولهما : التهوين من قدر هذه القضية ، واعتبارها مسألة هامشية ، ولا يصح الطعن ولا التجريح فيمن اعتقد بها .
  • الثاني : الهجوم على أهل السنة وزعمهم أن بعضاً من علمائهم قد قالوا بالتحريف ، ومع ذلك فما زال أهل السنة على تعظيمهم وتوقيرهم .

نقض المسلك الأول

فأما المسلك الأول ، فمثل قول “السيد الطيب الجزائري” :

والذي يهوّن الخطب أن التحريف اللازم على قولهم يسير جداً ، مخصوص بآيات الولاية ، فهو غير مغير للأحكام ولا للمفهوم الجامع الذي هو روح القرآن . فهو ليس بتحريف في الحقيقة ، فلا ينال لغير الشيعة أن يشنع عليهم من هذه الجهة .
تفسير القمي – مقدمة المصحح السيد الطيب الجزائري – ج 1 ص 23 – 24

والرد عليه يسير ، بإذن الله (تعالى) ، وذلك بأن يقال : إن الطعن في شيء من القرآن ، مهما كان قليلاً ، فهو طعن في القرآن كله . فلو جوّز أحدهم الانتقاص أو التحريف في شيء يسير منه ، فقد أسقط عصمة القرآن عن الحفظ والصيانة من الباطل . وهذا يقتضي ، بالضرورة العقلية ، انعدام الضمان على صحة هذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم ، وذلك لعدم ضمان حفظه وصيانته من التحريف أو النقص ؛ وأنه يجوز للبشر أن يغيروا فيه ويبدلوا بحسب أهوائهم .

ويقال أيضاً : إن قضية “الولاية” هي أصل عظيم من أصول الدين عند الشيعة الإمامية ، بل هي الدين كله عندهم ! فدعوى انتقاص آيات الولاية من القرآن ، تعني حتماً ذهاب روح القرآن ، الذي نزل بالمقام الأول لتقرير ولاية آل البيت ، كما يقول الشيعة .. فبان بذلك مناقضة هذا الكاتب لنفسه .

نقض المسلك الثاني

أما المسلك الثاني ، فنقضه يسير أيضاً ، بعون الله (تعالى) ، وذلك بأن يقال : إن هناك إجماعاً مطبقاً من أهل السنة والجماعة ، عالمهم وجاهلهم ، أن المصحف المجموع بين الدفتين ، والمتداول اليوم بين أيدي المسلمين ، هو الذي أقره الله (تعالى) على نبيه (صلى الله عليه وسلم) ، ورضيه للمسلمين ، كاملاً غير ناقص حرف ، وتاماً لم يختل فيه شيء .

وأما المرويات الحديثية عند أهل السنة والجماعة ، والتي تفيد بوجود سور أو آيات من القرآن أنزلها الله (تعالى) على رسوله (صلى الله عليه وسلم) ، وليست هي في المصحف الدارج عند الناس ، فذلك ليس طعناً في الموجود الآن من القرآن ، فإن هؤلاء الرواة يقصدون بذلك وجود آيات أنزلها الله (تعالى) ثم أمر بنسخها ورفعها لحكمة أرادها في الناس ؛ كما قال (تعالى) :

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

البقرة : 106

والدليل على ما نقول أنه لا يوجد واحد من علماء أهل السنة والجماعة من صرّح بحصول النقص أو الزيادة في القرآن بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ولا حتى هؤلاء الرواة أنفسهم الذين تكلموا في المنسوخ من القرآن . بل الجميع متفق على أن القرآن اليوم هو نفس القرآن الذي أقرّه الله (تعالى) على عباده ، وهو نفسه الذي جمعه أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) ثم عثمان (رضي الله عنه) ، بلا زيادة ولا نقصان . وأنه محفوظ بوعد الله (تعالى) ، لا يطاله تحريف ولا تبديل .

فإن أراد الشيعة أن يحتجوا على أهل السنة والجماعة في هذا الباب ، وأرادوا أن يلبسوهم تهمة “تحريف القرآن” ، فليأتوا لنا بدليل صريح من أقوال العلماء يطعنون فيها بالقرآن المتداول بين المسلمين ، وينسبون إليه النقص أو التحريف ، كما فعل بعض علماء الشيعة بصراحة ووضوح !

وسندع شيخ الطائفة “الطوسي” يرد على بعض شبهات المناوئين لأهل السنة في قضية “نسخ القرآن” ..

قال الطوسي : فصل في ذكر جواز نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم : جميع ما ذكرناه جائز دخول النسخ فيه ، لأن التلاوة إذا كانت عبادة ، والحكم عبادة أخرى : جاز وقوع النسخ في أحدهما مع بقاء الآخر ، كما يصح ذلك في كل عبادتين . وإذا ثبت ذلك : جاز نسخ التلاوة دون الحكم ، والحكم دون التلاوة … (إلى أن قال) … وأما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم : فلا شبهة فيه ، لما قلناه من جواز تعلق المصلحة بالحكم دون التلاوة . وليس لهم أن يقولوا : إن الحكم قد ثبت بها ، فلا يجوز مع زوال التلاوة بقائه ؛ وذلك أن التلاوة دلالة على الحكم فليس في عدم الدلالة عدم المدلول عليه . ألا ترى أن انشقاق القمر ، ومجرى الشجرة دال على نبوة نبينا ، ولا يوجب عدمهما خروجه ( ع ) من كونه نبياً (صلى الله عليه وآله) ؛ كذلك القول في التلاوة والحكم ، ويفارق ذلك الحكم : العلم الذي يوجب عدمه خروج العالم من كونه عالماً ، لأن العلم موجب ، لا أنه دال ؛ وأما جواز النسخ فيهما فلا شبهة أيضاً فيه ، لجواز تغير المصلحة فيهما . وقد ورد النسخ بجميع ما قلناه ، لأن الله (تعالى) نسخ اعتداد الحول بتربص أربعة أشهر وعشر ؛ أو نسخ التصدق قبل المناجاة ؛ ونسخ ثبات الواحد للعشرة ، وإن كانت التلاوة باقية في جميع ذلك . وقد نسخ إبقاء التلاوة وبقي الحكم ، على ما روي من آية الرجم ، من قوله : “الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله” وان كان ذلك مما أنزله الله ، والحكم باق بلا خلاف . وكذلك رُوي تتابع صيام كفارة اليمين في قراءة عبدالله بن مسعود ، لأنه قد نسخ التلاوة ، والحكم باق عند من يقول بذلك . وأما نسخهما معاً : فمثل ما روي عن عايشة أنها قالت : كان فيما أنزله (تعالى) عشر رضعات يحرمن ، ثم نسخت بخمس ، فجرت بنسخة تلاوة وحكماً . وإنما ذكرنا هذه المواضع على جهة المثال ، ولو لم يقع شيء منها : لما أخل بجواز ما ذكرناه وصحته ، لأن الذي أجاز ذلك ما قدمناه من الدليل ، وذلك كاف في هذا الباب .
عدة الأصول – الطوسي – ج 3 ص 36 – 37

كلمة أخيرة

لو صدق الشيعة الإمامية في انتسابهم للإسلام ، وتعظيمهم للقرآن ، ونفي تهمة التحريف عنهم : فليتبرأوا من هؤلاء العلماء الكبار الذين طعنوا في عصمة القرآن ، وأجازوا التحريف فيه ، بالزيادة أو النقصان .

وإن أبوا وامتنعوا عن إسقاط عدالة من يقول بهذا القول القبيح ، فقد ألزموا أنفسهم بأن القرآن نفسه ليس ذا قدر جليل عندهم ، وأن اعتماده مصدراً لتشريع الدين ليس اعتماداً أساسياً ، بل هو اعتماد فرعي يمكن الاستغناء عنه والطعن فيه !

هذا ، والله أعلم .. ولا حول ولا قوة إلا بالله .

مقالات ذات صله