ثبوت عدالة الصحابة بحجة النقل الصريح والعقل الصحيح

بسم الله الرحمن الرحيم ؛

لقد بعث الله (سبحانه وتعالى) نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) إلى الناس كافة ، بعد أن كان كلّ نبي يُبعث في قومه خاصة دون سائر الناس ، واصطفاه برسالة الإسلام ناسخةً لما سبقها من رسالات ، وجعلها الرسالة الخاتمة حتى يرث الله (تعالى) الأرض ومن عليها ؛ فلا نبيَّ بعد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ولا دينَ بعد دين الإسلام .

وعَظَمة هذا الدين ، وشموليته التي تعمّ جميع الناس ، وخاتميته التي تنتهي عندها جميع الرسالات السماوية ، كل ذلك قد اقتضى أن يكون حامل هذه الرسالة هو أعظم الرسل ، والبلد التي بُعث فيها هي أعظم البلدان ، والقوم الذين اختارهم الله (تعالى) لينصروا هذا الدين ونبيّه هم أعظم الأقوام ؛ وإن الأمر إن لم يكن كذلك : لم يستطع هذا الدين الثبات أمام شدائد المَحن وصعائب البلايا التي عصفت به منذ أن صَدَر للناس .

فكان الصحابة بذلك هُم أصفياء الله (تعالى) من سائر خلقه ليكونوا لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أعواناً وأنصاراً ، وبهم تتمثل تربية النبي (صلى الله عليه وسلم) وتعليمه وتزكيته ، كما قال (تعالى) :

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ

البقرة : 151

وقال (تعالى) أيضاً :

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ

الجمعة : 2

وكون هذه الرسالة قد قضى الله (عز وجل) لها أن تكون خاتمة الرسالات ، فإن ذلك يلزم منه بالضرورة العقلية أن تبقى وتستمر حتى قيام الساعة ، وأن تكون الأمة الإسلامية هي خير الأمم على الإطلاق ، مهما أصابها من انحطاط وانحدار وانحلال ؛ إذ أن حُجة الله (عز وجل) على خلقه جميعاً قائمة بقيام هذه الأمة وظهور دينها على سائر الأديان ؛ فإن لم تكن هي خير أمة ، ولا دينها هو أظهر الأديان : لسقطت حُجة الله على خلقه ، ولاحتاجوا إلى رسول يأتي يجدد لهم الدين .

لأجل ذلك يؤمن أهل السنة والجماعة أن الكيان أو المجتمع الذي أسسه النبي (صلى الله عليه وسلم) أهله هم خير الناس على الإطلاق ؛ وأن الله (عز وجل) قد وكّلهم بحفظ هذا الدين وحمله وتبليغه للبشرية جمعاء ؛ وأن سبيلهم هو السبيل الأوحد لتلقي الدين وفهمه على النحو الذي أراده الله (سبحانه وتعالى) وارتضاه منذ أن بعثه نبيه محمداً (صلى الله عليه وسلم) .

فكانت قضية عدالة الصحابة أهم ركائز المنهج الإسلامي الصحيح ؛ فهي المحور الذي يدور عليه كلّ الدين ؛ وإن الطعن بها ومحاولة إسقاطها أو الإخلال بجوانبها : إنما هو في حقيقته طعن في أصل الدين ، وتَنَكُّر لعامة شرائعه وأحكامه التي فرضها الله (سبحانه وتعالى) على الناس .

مفهوم عدالة الصحابة

العدالة في اللغة : الصلاح والاستقامة ؛ وفي الاصطلاح هي : أهلية المرء لنقل الخبر وتصديقه فيه ؛ وما يشترط فيها من التقوى وسلامة الدين ، فلا يكون الناقل فاسقاً أو منافقاً ؛ وما يقتضيه ذلك لزوماً من الأمانة وتحري الصدق في النقل .

والصحابي هو : كل من رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وتلقى الدين عنه ، بلا وسيط بينهما ، فآمن به ومات على ذلك ؛ على تفاوت بين الصحابة في الرتبة ؛ فمنهم الصحابة الكبار ، ومنهم ما دون ذلك على درجات .

ويعتقد أهل السنة والجماعة أن الصحابة جميعهم عدول ؛ على اختلاف في درجات العدالة ؛ وأن تحديثهم عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ونقلهم لأحواله وسيرته : كلها أدلة شرعية مُعتمدة ومأخوذ بها ، يأثم من يخالفها أحدها بلا حجة ظاهرة صحيحة .

الأدلة الشرعية الصريحة على عدالة الصحابة

مسألة عدالة الصحابة قد استفاض بيانها في القرآن الكريم في كثير من آيات القرآن الكريم ، تشكّل بمجموعها حُكماً ثابتاً واضحاً قطعيّ الدلالة ، لا يستريب فيه صاحب بصيرة وتقوى ؛ فمن هذه الأدلة الكثيرة :

الدليل الأول
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ

آل عمران : 110

قد نزلت هذه الآية مخاطبة الصحابة (رضي الله عنهم) بأسلوب المدح والتزكية والتشريف ، وبيان الفضل وصحة الإيمان ؛ ويمتنع بديهة أن يكون مثل هذا الخطاب متوجهاً لأمة أكثرها فجرة منافقون لا يخافون الله (تعالى) ولا يؤمنون به ، كما يزعم الشيعة الإمامية ؛ خاصة مع تصحيح الله (تعالى) لإيمانهم بقوله : {وتؤمنون بالله} .


الدليل الثاني
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ

البقرة : 143

فكما أن شهادة النبي (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه تقتضي أنه أهل للتبليغ عن الله (تعالى) ، فكذلك شهادة الصحابة (رضي الله عنهم) على الناس تقتضي أنهم أهل للتبليغ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؛ وهذا يلزم منه بالضرورة القول بعدالتهم . وفي الآية أيضاً دليل على أن من اتبع النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه المحنة ، فإنه صادق الإيمان .


الدليل الثالث
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ

الحج : 78

في الآية دليل على أن الله (عز وجل) قد اجتبى (أي : اختار) هؤلاء الصحابة ليكونوا أنصاراً للنبي (صلى الله عليه وسلم) وحَمَلة لهذا الدين من بعده ؛ ومثل هذا التشريف لا يكون إلا لصاحب عدالة .


الدليل الرابع
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً

الفتح : 18

ودلالة الآية واضحة .


الدليل الخامس
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

التوبة : 100

ودلالة الآية واضحة .


الدليل السادس
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ۞ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ

الحشر : 9-10

والآيات دلالاتها واضحة .


الدليل السابع
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ۞ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

الأنفال : 74-75

والآيات دلالاتها واضحة .


الدليل الثامن
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

النور : 55

وقد نزلت هذه الآيات في عصر الصحابة (رضي الله عنهم) ، وكان وعداً من الله (سبحانه وتعالى) لهم بالسلطان العظيم والتمكين الوطيد في الأرض ؛ ولم يعلُ الإسلام وترتفع كلمته ويظهر بسلطان وبأس على الأرض إلا في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وما تلاه من عهد من بعده من الصحابة (رضي الله عنهم) ، حتى بلغ أوج قوته ؛ ثم بدأ يتناقص ويضعف سلطانه رويداً رويداً في العصور المتأخرة عنهم ؛ فدلّ ذلك على أن الصحابة كانوا صحيحي الإيمان ، ولأجل ذلك حصل لهم التمكين في الأرض .


الدليل التاسع
لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ۞ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

التوبة : 117-118

قد كانت غزوة “العسرة” امتحاناً شديداً من الله (تعالى) للمهاجرين والأنصار لينظر أيصدقون النبي (صلى الله عليه وسلم) ويتبعونه ، أم يتخلفون عنه . وما تخلف عنه سوى ثلاثة من المؤمنين ، وقد تاب الله عليهم بعد أن ندموا ندماً عظيماً . وقد تخلف عن هذه الغزوة المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، كما قال (تعالى) :

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ۞ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۞ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ

التوبة : 81-83

الحجج العقلية الصحيحة على عدالة الصحابة

العقل الصحيح ، المتجرد عن الهوى ، والطالب للحق ولو على نفسه ، لا بد له أن يخلص إلى صحة القول بعدالة الصحابة ، وذلك من وجوه كثيرة ، نذكر بعضاً منها :

الوجه الأول : القرآن الكريم ، الذي هو حُجة الله (عز وجل) على خلقه ، حتى قيام الساعة ؛ إنما تكفّل الصحابة (رضي الله عنهم) بجمعه وحفظه ونقله إلى الناس . فلو كانوا بعمومهم خونة ومنافقين ، ولو كانت خلافتهم هي خلافة الشيطان ، كما يزعم الشيعة الإمامية ، لرأيتهم اجتمعوا على تحريف القرآن وتبديل كلام الله (تعالى) ؛ كما فعلت بنو إسرائيل من قبل ؛ إذ أن أهل الباطل لا يرضيهم أبداً وجود كتاب يفضح باطلهم ويكشف عوراتهم .

ولاحظ أن تحريف كتاب الله (تعالى) من التوراة والإنجيل قد وقع من الأمم السابقة لـمّا تعارض مع مصالحهم وشهواتهم ؛ ولكن الصحابة (رضي الله عنهم) حفظوه كما نزل ، وبلّغوه إلى الناس كما أراده الله (تعالى) له أن يكون ، ولم يزيدوا أو ينقصوا فيه حرفاً واحداً .

فإن طعن إنسان ما في عدالة الصحابة الذين حملوا هذا القرآن وأورثوه لمن بعدهم ، فمن باب أولى أن يطعن في القرآن نفسه ولا يأخذ به . وقد فطن بعض علماء الشيعة الإمامية لهذا الأمر ، وأنه لازم ضروري لإسقاط عدالة الصحابة ، لذلك تجدهم قد قالوا صراحة بتحريف القرآن والطعن في سلامته !

الوجه الثاني : رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات ، وهي رسالة عامة شاملة ، موجهة إلى جميع الناس في شتى بقاع الأرض ، وليست هي رسالة مخصوصة بقوم محدودين ، كشأن الرسائل السابقة ، والتي انتهت بانتهاء أمة تلك الرسالة أو اجتماعهم على الكفر بها ، كما كان الحال في اليهودية والنصرانية من قبل ؛ وقد انقطعت النبوات بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ما يقتضي بالضرورة العقلية الحتمية أن الله (تعالى) لا بد أن يجعل دين الإسلام قائماً ظاهراً في الناس إلى قيام الساعة ، بحيث يكون ظهوره حجة على خلق الله جميعاً . وقد أراد الله (تعالى) للإسلام هذا الظهور ، كما قال (عز وجل) :

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

التوبة : 33

ويستحيل أن يُظهر الله (تعالى) ديناً فاسداً ، عامة أهله منافقون خائنون لله ورسوله ، ويستمر هذا الدين الفاسد قائماً ظاهراً منصوراً على سائر الملل والأديان ، إلى ما بعد أربعة عشر قرناً من وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ! هذا من أبعد الاحتمالات وأفسد المنطق .

والصحابة ، والمجتمع الإسلامي الأول ، هو صنع وبناء النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ وقد أراد الله (عز وجل) لهذا الدين أن ينتصر ويعلو سائر الأديان ، ويسود في الأرض ، وأن يكون هذا الدين حجة الله (تعالى) على الناس أجمعين . فكيف لذلك أن يتحقق وقد أخفق النبي (صلى الله عليه وسلم) في بنائه الأول ، بل إن عامة أصحابه وأنصاره منافقون ، وقد مات عن أمة منافقة خائنة لله ورسوله ؟!

الوجه الثالث : النفاق إنما يحصل من قِبَل الضعفاء تجاه الأقوياء ، خوفاً على أنفسهم وأموالهم من بطش الأقوياء ، فيتظاهرون بموافقة الأقوياء دون أن تنقاد قلوبهم لهم ، فيسلمون من أذاهم ؛ وهذه مقدمة عقلية متفق عليها .

فما الذي أجبر الصحابة الأوائل ، وفيهم أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وغيرهم كثير من المهاجرين ، ما الذي أجبرهم على اتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) في مكة ، وهو مستضعف لا قوة له ، ثم احتمال الأذى الشديد من أقوامهم ، من قتل وتعذيب وسلب الأموال ، كل ذلك بسبب إيمانهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ؟! كما قال (تعالى) :

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

الأنفال : 26

هل يصدر مثل ذلك عن منافق يطلب الدنيا وزينتها ؟ .. بل إن الموقف الصحيح للمنافقين أن يلتحقوا بكفار قريش ، ويحاربوا الحق الذي جاء يهدد دنياهم ، وجاءهم يأمرهم بالتضحية بأموالهم وأنفسهم !

ثم ما الذي أجبر أهل يثرب من الأنصار على قبول دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وإيوائه ، ومناصرته ، ثم توليته عليهم حاكماً وقائداً ، ثم محاربة أعدائه من سائر العرب ، والموت في هذا السبيل ؟! .. لقد ذهب النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو أهل الطائف ، فرجموه بالحجارة ، وسلطوا عليه سفهاءهم وسفلتهم حتى طردوه .. وقد طرده أهل مكة من قبل وشرّدوا أصحابه .. وهذا هو شأن أهل الباطل دوماً لما يأتيهم الحق ؛ فلماذا آمن أهل المدينة من الأنصار واتبعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم يكن صاحب سلطان ولا متاع عريض في الدنيا ؟! .. أيصدر مثل هذا عن منافق لا يخشى الله (تعالى) ؟!

الوجه الرابع : قد بيّن الله (سبحانه وتعالى) كثيراً من صفات المنافقين ، وجعل أكثرها في سورة التوبة ؛ وذكر أن من أكبر صفاتهم : خذلان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مواطن القتال ، فتراهم يتخلفون عن الغزوات خوفاً من مشقة الجهاد ومن الموت ؛ وتراهم أيضاً يبخلون بأموالهم أن ينفقوها في سبيل الله . لكنا نجد أن جيش النبي (صلى الله عليه وسلم) كان مكوّناً من الصحابة ، من المهاجرين والأنصار ، وهم الذين احتملوا مشاق الجهاد ومصاعبه ، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، حتى أظهرهم الله (تعالى) على العرب ، وأقاموا دولتهم .. فكيف صحّ في عقل إنسان أن يرميهم بالنفاق وقد أظهروا من دلائل الصدق والإخلاص ما لا يمكن لمنافق كاذب أن يُظهره ؟

الوجه الخامس : لماذا لم يرجع الصحابة إلى عبادة الأصنام بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ما داموا إنما أسلموا نفاقاً وخوفاً منه ؟! يفترض بالمنافق أنه متى ما صار صاحب سلطان وقوة ، فإنه يُظهر حقيقة معتقده . وقد علم الناس عن العرب أنهم شديدو العصبية لآبائهم وما ورثوه عنهم ؛ فإن كانوا منافقين ، فإنه يلزم بالضرورة أن يعودوا إلى دين آبائهم ، ويقيموا أصنامهم القديمة في بلدانهم ، لكن هذا لم يحصل .

شبهات وردود

هذه شبهات أوردها المخالفون على قضية “عدالة الصحابة” ، أذكرها مع ردود سريعة ، وإن احتاج الأمر إلى تفصيل أفردت لكل منها مقالة ، إن شاء الله (تعالى) .

الشبهة الأولى

الصحابة كانوا مؤمنين أتقياء في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ثم خانوا وارتدوا ونافقوا .

الجواب : لقد مدح الله (سبحانه وتعالى) أمة الصحابة ، وزكاها في مواطن كثيرة من كتابه ، وجعل هذه الآيات التي تمدحهم فيها الهدى والنور لكل من طلب الحق وأراد الهداية ؛ وهذا يلزم حتماً أن يكون حكمها ثابتاً لا يتغير . فالله (سبحانه وتعالى) لا يثبت حكماً في القرآن إلا ما كان نافذاً أبد الدهر . فإن كانوا كما يقول الخصوم ، أنهم نافقوا وارتدوا بمجموعهم ، فإن هذه الآيات الخالدات في القرآن ، والتي تمتدحهم وتزكيهم وتبيّن رضى الله (تعالى) عنهم وموعدته لهم بالجنة والمغفرة ، ستكون هذه الآيات سبباً لإضلال الناس وغوايتهم ؛ وهم يظنون أنهم يتبعون أمر الله (تعالى) ؛ وقد قال الله (تعالى) :

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً

الإسراء : 9

وتصوّر الأمر كما لو أن الله (تعالى) قد امتدح إبليس في كتابه ، وذكر رضاه عنه وموعدته له بالجنة ! .. ومعلوم أن إبليس كان من الصالحين قبل أن يكفر ! .. ولكن الله (تعالى) لا يُثبت في كتابه حُكماً إلا ما كان ثابتاً أبداً .

زد على ذلك أن الآيات التي امتدحت الصحابة وزكّتهم : هي آيات مُحكمات واضحات بيّنات ؛ ولا يوجد في المقابل آيات محكمات تذمهم بعمومهم ، وتتوعدهم بعذاب السعير !

فهل تجد وعيداً صريحاً في القرآن للمهاجرين والأنصار ، وأنهم على غضب من الله (تعالى) ، وقد أعدّ لهم ناراً ؟ ..

فضلاً عن أن القول بارتداد أمة مؤمنة ، أنشأها النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه وتعاهدها ورعاها ، هو قول مستشنع جداً ، لا يقبله من في قلبه مثقال ذرة من إيمان .

نعم ، قد يُقبل القول بارتداد أفراد معدودين وقليلين جداً ممن كانوا مؤمنين ، لكن عموم المؤمنين ؟! .. هذا شيء قبيح جداً على الفطرة والعقل ؛ ولا يرى صحته إلا من لا يعرف معنى الإيمان أصلاً .

ثم إننا لو افترضنا جدلاً أنهم نافقوا وارتدوا وخانوا الله ورسوله ، فكيف لله (تعالى) بعد ذلك أن ينصرهم على أعدائهم ، ويمكن لهم في الأرض ، حتى يهزموا أعتى الجيوش ، ويدكوا حصون أعتى الممالك ، كفارس والروم ، وقد حذّرهم من قبل من معصية الرسول ، وذكر لهم أن ذلك سبب لهزيمتهم ، كما قال (تعالى) :

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

الأنفال : 46

وأخيراً ، كون إيمان الصحابة وصلاحهم قد ثبت بيقين ثابت ودليل قاطع ، فإن هذا أدعى للمسلم أن يُحسن الظن فيهم في أي خطأ صدر منهم ، ويحمله على أحسن الوجوه ، لا أن يسارع إلى الطعن فيهم وإسقاط عدالتهم .


الشبهة الثانية

لو قلنا بعدالة عموم الصحابة ، فإننا لا نجادل في وجود منافقين فيهم لا نعلمهم ، كما قال (تعالى) : {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} . فإن تطرق احتمال النفاق إلى البعض ، صار الجميع محل تهمة ، إذ أن كل فرد منهم يشتبه فيه أنه واحد من هؤلاء المنافقين .

الجواب : إما أن يقال إن عموم الصحابة صالحون أتقياء ، والقليل منهم منافقون ؛ وإما أن يقال إنهم بعمومهم منافقون والقليل منهم مؤمنون ، وهذا ممتنع شرعاً وعقلاً على ما بيّنا .

فإن قلنا بالأولى ، فذلك حق ، ولكن الأمر يحتاج إلى ضبط وتفصيل حتى يتضح ؛ وبيانه على ما يلي :

أولاً : لقد ابتلى الله (عز وجل) المؤمنين بالبلايا الشديدة والمحن العصيبة ، وكل ذلك حتى يمحص ما في قلوبهم ، كما قال (تعالى) :

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ** وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ** أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

آل عمران : 140-142

وقال (تعالى) :

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ

البقرة : 214

وقال (تعالى) :

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

التوبة : 16

وغير ذلك من الآيات كثير التي تبيّن كيف امتحن الله (عز وجل) المؤمنين وابتلى إيمانهم ، حتى يظهر صدقهم وإخلاصهم وصحة إيمانهم وقوة يقينهم .

فكانت هذه المِحَن والمصائب التي مرّ بها الصحابة ، وصبرهم عليها : من أكبر العلامات على صدق نوايهم وصدق إيمانهم ؛ وبها تميّز المؤمنون من المنافقين ، وعرف الناس الصادق من الكاذب .

وفي المقابل ، قد بيّن الله (عز وجل) كثيراً من صفات المنافقين وخصالهم في سورة التوبة وغيرها ، وبها انفضح المنافقون وكل من في قلبه مرض .

ثانياً : قد ابتلى الله (عز وجل) المؤمنين بموت النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وقد كان بلاءً ثقيلاً على الناس ، فارتد أكثر الناس عن الإسلام ، ولم يبق على العهد سوى الصحابة صادقي الإيمان ، في مكة والمدينة ، وقد عرف الناس بذلك صحة إيمانهم وصدقهم مع الله (تعالى) ، فلم يبق لمنافق ستر عندهم .

ثالثاً : لا يمكن لمنافق أن يعيش وسط قوم مؤمنين أتقياء ، ثم لا يفضحه الله (تعالى) ، ولا يلحظون عليه أمارات النفاق المذكورة في القرآن . لكن لو افترضنا أنه أمكن أن يوجد منافق في الصحابة قد ستر نفاقه ولم يفضحه الله (تعالى) ، مع أن هذا غير ممكن ، فإن هذا لن يكون بصورة ظاهرة ومؤثرة في دين الله (تعالى) ، بحيث يكون فساده في الدين عريضاً ، ولا يعلمه بعد ذلك أحد من المسلمين ! .. خاصة الصحابة الذين هم خير القرون ؛ فإنه لا يظهر فيهم صاحب باطل إلا قمعوه وقطعوا دابره ؛ وقصة عمر بن الخطاب مع صُبيغ أحد الأمثلة في ذلك .

فضلاً عن أن هذا المنافق لا يستطيع مخالفة المنهج الإسلامي العام المتبع عند عموم الصحابة (رضي الله عنهم) ، ولا النصوص الشرعية الثابتة في كتاب الله (تعالى) ، فكان بذلك عديم التأثير ومنقطع الإفساد في الدين .

هذا ، والله أعلم ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله