رزية يوم الخميس – حقائق دامغة وشبهات داحضة

بسم الله الرحمن الرحيم ؛

يُكثر الشيعة الإمامية من الاحتجاج بحادثة “يوم الخميس” المشتهرة عند المحدثين بـ رزية يوم الخميس كدليل يطعنون به في عدالة الصحابة ، ويبررون به اتهاماتهم لهم بالخيانة وغير ذلك من أقوالهم المستقبحة .

وهذه الحادثة ، على كثرة ما يستدلون بها ويعتمدون عليها في تقريراتهم التي حادوا بها عن سبيل أهل الحق ، تُعدّ أصلاً كبيراً من أصول الدليل عندهم ، وأحد أقوى مداخلهم للتشكيك في عدالة كبار الصحابة (رضي الله عنهم) خاصة ، ومنهج أهل السنة والجماعة عامة .

وقد حصل لنا أن نظرنا فيما قالوا ، وصحّ لنا أن نتتبع مسالك تطويعهم لحادثة رزية يوم الخميس لتوافق تقريراتهم المسبقة ، المعتمدة أساساً على أصول شرعية فاسدة ، أصّلوها وأثبتوها بخلاف شرع الله (تعالى) ، ثم بنوا عليها بعد ذلك جميع أفهامهم للأدلة الشرعية ، حتى لو استدعى ذلك منهم تكلّفاً ظاهراً على المعنى ، وتعسّفاً بائناً على اللفظ ؛ فأنتجت لهم هذه الأصول مقالات شنيعة في الدين ، يصل بعضها حدّ الكفر بالله (تعالى) . فما زاد ذلك منا إلا قناعة بوجوب صرف جميع مسائل الخلاف إلى تحرير الأصول الشرعية التي ينطلقون منها في استدلالاتهم على مسائل الدين ؛ وأن الأمر إن لم يكن كذلك ، فإن شبهاتهم لن تنتهي ، ولن تدحض شُبهة لهم وينقطع دابرها حتى تخرج أخوات لها تبعث ما اندثر من أمر سالفتها .

ملخص البحث

يمكن تلخيص هذا البحث في عدة نقاط محورية :

  • أولاً لأهل السنة والجماعة منهج خاص وفريد في التعاطي مع النصوص الشرعية يختلف في كثير من مناحيه الأصولية مع الشيعة الإمامية ؛ ومن ذلك فهمهم للمرويات المشكلة التي يتشابه معناها أو تخفى بعض وجوهها . ومنهجهم في ذلك هو رد المتشابه إلى المُحكم ، وتفويض ما أبهم أو استشكل إلى الله (تعالى) . وقد ثبت لديهم قطعاً عدالة الصحابة ، بنصوص محكمة واضحة بيّنة ، وقد جعلوها أصلاً من أصول المنهج ؛ فأي نص مشكل على هذا الأصل (عدالة الصحابة) ، لا بد أن يُفهم في سياق واحد محكم ، وإن لم يُمكن فهمه ، فينبغي تفويض معناه إلى الله (تعالى) .

    فإن ثبتت عدالة الصحابة وحُسِم أمرها ، كان هذا النص وغيره من المتشابهات مأخوذاً في سياق حسن الظن وإقالة العثرات ؛ لا المبادرة بإساءة الظن وإثبات التهمة دون بيّنة قطعية .

  • ثانياً عند تناول أي نص بالتأمل والتدبر ، لا يتأتى للمرء غايته المنشودة منه بغير النظر في الظرف الذي ورد فيه هذا النص ، وملابساته وحيثياته ، وحال الشخص وقتما قال أو قيل فيه هذا النص ؛ فما يقوله إنسان في حال الجزع أو الحزن مثلاً ، لا يصح أن ينسحب عليه حُكماً ثابتاً في عامة أحواله . فقد غضب موسى من أخيه هارون (عليهما السلام) ، وألقى الألواح التي فيها كلام الله (تعالى) ؛ فهل يصح أن تكون هذه صفة لازمة له ، لا تنفك عنه في عامة أحواله ؟ وقد نسي آدم (عليه السلام) أمر ربه وعصاه بأكله من الشجرة ، فهل يلزمه وصف العصيان والغفلة في عامة أحواله ؟!

    فينبغي الانتباه جيداً لهذا الأمر حتى يكون الإنسان منصفاً في أحكامه على غيره ، ولا يجعل لهواه مدخلاً في ذلك .

  • ثالثاً إذا نظرنا في سيرة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وغيره من كبراء الصحابة وأعيانهم ، بما ثبت عنهم في الكتاب والسنة ، لوجدناهم أقوى الناس إيماناً ، وأكثرهم تضحية في سبيل الله (تعالى) بالمال والنفس ، وأشدهم محبة لله ورسوله . فأناس هذه حالهم وهذه سيرتهم ، لا بد أن يكونوا في أعلى درجات الحزن والأسى وهم يرون النبي (صلى الله عليه وسلم) أمامهم يُحتضر وعلى فراش الموت ؛ وهم الذين أحبوه أكثر من حبهم لأنفسهم وأهليهم وأولادهم ، وفدوه بالغالي والنفيس ، ولم يتأخروا عن نصرته ومعونته . ويَبعُد جداً على من كانت هذه حاله أن يسعى أو يقصد إلى معصية محبوبه وإغضابه ، وإن كان قد اجتهد وأخطأ ولم يُحسن العمل ؛ فإن سلامة قصده تغفر له زلته وتقيل عثرته ، أمام الله (تعالى) وأمام الناس .
  • رابعاً النبي (صلى الله عليه وسلم) كان شديد الرحمة بأمته ، وكثير الحرص عليها وعلى ما ينفعها ، وقد استفرغ وسعه وبذل الغاية من جهده في تبليغ الرسالة وبيانها والدعاء لأمته بالهداية والمغفرة والرحمة . وقد يبلغ به خوفه على أمته وشدة رعايته لمصلحتها أن يجتهد اجتهادات ، ليست هي بالواجبة ، ولم يأمره الله (تعالى) بها ، ولكن من باب زيادة الحرص على الأمة ؛ حتى لما يتحقق له أن الأمة بخير ، ويطمئن على حالها ، فإنه يترك هذه الزيادات من اجتهاده . والمثل في ذلك : المعلّم ، الذي يطلب منه مديره أن يدرّس الطلاب مادة ما ، فيقوم هذا المعلّم بعمل أنشطة وبحوث وتقارير ، لم يطلبها منه مديره ، لكن لأجل تفانيه في عمله ، وحرصه على أن يفهم الطلاب مادته حق الفهم ، فإنه يفعل لهم كل ذلك ؛ حتى إذا ما تحقق من أنهم قد بلغوا من الفهم ما أراده منهم ، تجده يترك بعضاً من اجتهاداته التي قد أعدّها لطلابه ، وذلك لعلمه أنهم لن يحتاجوها بعد اليوم . وبهذا النوع من التصوّر يمكن فهم لماذا ترك النبي (صلى الله عليه وسلم) كتابة ذلك الكتاب ، بعدما قال له عمر (رضي الله عنه) ما قال .
  • خامساً عوضاً عن سوء الظن وتصوّر الموقف بأن الصحابة (رضي الله عنهم) قد اجتمعوا على خيانة النبي (صلى الله عليه وسلم) في بيته ؛ فليتصور المرء المنصف ، بناء على المقدمات السابقة ، أنهم قد اجتمعوا في بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد ملأهم الحزن وغمرهم الأسى في ذلك الموضع العصيب ، الذي بلغ وقعه على نفوسهم غايته من الشدة والألم . وهذا هو الظرف الذي قيلت فيه تلك المقولات التي ينكرها الشيعة على الصحابة . ولا بد أن يحصل في مثل هذا الظرف اضطراب واختلاف على ما يصلح وما لا يصلح ؛ كل امرئ بحسب اجتهاده ونظره في الأمور .

    فعليه نقول : إن قولة عمر : “إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد غلبه الوجع” ؛ فإنه يقصد به الرحمة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعدم الإثقال عليه ، وهو يراه يقاسي سكرات الموت الشديدة . وذلك أن المرء عند الاحتضار يثقل عليه جداً أن يتكلم ، وهذا يتعبه ويؤذيه ، وقد أراد عمر (رضي الله عنه) له الراحة .

    وأما قوله : “حسبنا كتاب الله” ، فذلك لأن كتاب الله (عز وجل) فيه الهدى والنور ، ولن تضل أمة الإسلام ما دامت تقوم بكتاب الله (تعالى) وتتبع النور الذي فيه ؛ فهو من باب طمأنة النبي (صلى الله عليه وسلم) على أمته من بعده ، وأنها لن تختلف على الحق ما دامت تتبع كتاب الله (سبحانه وتعالى) ، وستمضي على عهد الله (تعالى) وعهد رسوله (صلى الله عليه وسلم) ؛ فاطمأن لذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) ، ولم يكتب الكتاب ، ولم يدع إلى كتابته مرة أخرى .

    فخوف النبي (صلى الله عليه وسلم) وحرصه على أمته هو أمر محمود ؛ وجواب عمر (رضي الله عنه) بما يطمئن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويريح قلبه على أمته : هو أيضاً محمود .

    وأما قول القائل من الصحابة : “ماله ؟ أهجر؟ استفهموه” .. فبغض النظر عن المعنى الذي قصد إليه القائل ، هل هو مجرد غياب الوعي أم الهذيان ، فإن ما هو مجزوم به في هذا الموضع أنه لم يقصد إساءة ولا طعناً في النبي (صلى الله عليه وسلم) كما يزعم الشيعة الإمامية ، وإن كان قد أخطأ في تعبيره أو زلّ لسانه في ذلك الموضع العصيب ؛ بدليل أنه أراد أن يفهم كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) ويتأكد مما يقوله لهم ، فقال : “استفهموه” ؛ أي : اذهبوا افهموا ما يقول ..

    فهل من يريد الطعن والاستهزاء والإساءة يقول : اذهبوا افهموا ما يقول ؟ .. أم يُعرض عن قوله بدعوى أنه كلام هذيان لا ينبغي أن يُسمع إليه ولا يُرفع له رأس ؟!

  • سادساً لو كانت كتابة ذلك الكتاب واجباً مما أمر به الله (تعالى) ، لم يسع النبي (صلى الله عليه وسلم) تركه ، بل لا يحل له فعل ذلك ؛ وإلا لقلنا إن الدين قد نقص بعدم كتابة ذلك الكتاب ، وأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يبلّغ الناس جميع ما أوحى الله (تعالى) إليه ، وهذا من أكبر المطاعن في الدين . هذا ، وقد وعد الله (تعالى) نبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يعصمه من الناس ويحميه من أذاهم ، وأن يبلّغ الحق بغير مبالاة بالناس وبأقوالهم ؛ فكيف صحّ عند الشيعة الإمامية أن يقولوا إنه قد استجاب لكلام الناس وترك كلام الله (تعالى) ؟ والعياذ بالله .
  • سابعاً تزعم الشيعة الإمامية أن الصحابة إنما افتعلوا هذا اللغط والجلبة في حضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) لأجل التشويش عليه ومنعه من الوصاية بالخلافة من بعده لعليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) ؛ وهذه أغلوطة ظاهرة البطلان ، يردّها الشرع والعقل .

    فأما الشرع : فإن عدالة الصحابة الثابتة في الكتاب والسنة تنزههم عن هذا الفعل الحقير ؛ فكيف لو علمت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) إنما أراد الوصاية لأبي بكر (رضي الله عنه) بالخلافة ؟ فأي وجه للخيانة ههنا وهم قد اختاروه ورضوا به خليفة عليهم من قبل ومن بعد ، على ما سترى من أدلة نسردها في الفصل الأخير ؟

    وأما العقل : فما كان الله (عز وجل) ليرضى لأمة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وسلم) أن تضيع وينحرف مسارها ، وأن ينتهبها المنافقون ، وهي التي جعلها الله (عز وجل) خير أمة ، وجعل أهلها شهداء على الناس ؛ وهي التي قد أُسست على تقوى من الله (تعالى) وعلى عين نبيه (صلى الله عليه وسلم) .

ما هي “رزية يوم الخميس” ؟

رزية يوم الخميس هي الحادثة التي ورد ذكرها في الصحيحين عن موقف الصحابة (رضي الله عنهم) في بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) عند احتضاره ، وأمره لهم بأن يكتب لهم كتاباً لا يضلون بعده .

وقد حصل التنازع بينهم والاختلاف في حضرة النبي (صلى الله عليه وسلم) ، وذلك لاختلافهم في الأصلح في هذا الموقف ؛ فبعضهم رأى أن لا يُحمّل النبي (صلى الله عليه وسلم) تكليف كتابة الكتاب وهو في تلك الحال ، وما يقتضيه ذلك من الشقّ عليه وإتعابه ؛ وطائفة أخرى رأت خلاف ذلك من ضرورة الاستجابة لأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) .

ومدار هذه القصة على روايتين ، فيهما اختلاف ظاهر في اللفظ والسياق ، كلتيهما عن ابن عباس (رضي الله عنه) ؛ ونحن نحاول – بإذن الله (تعالى) – الجمع بينهما وحلّ مشكلهما .

المرويات الحديثية في “رزية يوم الخميس”

الرواية الأولى
لمَّا حضرتْ رسولَ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) الوفاةُ قال : هَلُمَّ أَكتبُ لكم كِتابًا لن تَضلُّوا بعدَه ، وفي البيتِ رجالٌ فيهم عمرُ بنُ الخطابِ ، فقال عمرُ : إنَّ رسولَ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) قد غلبهُ الوجعُ ، وعندَكم القرآنُ ، حسبُنا كتابُ اللهِ . قال : فاختلفَ أهلُ البيتِ ، فاخْتَصَمُوا ؛ فمنهم من يقولُ : يكتبُ لكم رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) ، أو قال : قَرِّبُوا يكتبُ لكم رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) ، ومنهم من يقولُ ما قال عمرُ . فلمَّا أَكثروا اللَّغطَ والاختلافَ ، وغُمَّ رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) ؛ قال : قُوموا عنِّي . فكان ابنُ عباسٍ يقولُ : إنَّ الرَّزِيَّةَ كلَّ الرَّزِيَّةِ ما حال بينَ رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) وبين أن يَكتبَ لهم ذلك الكتابَ ، من اختلافِهم ولَغَطِهِمْ .

[البخاري ومسلم]
الرواية الثانية
قال ابنُ عباسٍ : يومُ الخميسِ ! وما يومُ الخميسِ ! ثم بكى حتى بلَّ دمعُه الحصَى . فقلتُ (أي : سعيد بن جبير) : يا ابنَ عباسٍ ! وما يومُ الخميسِ ؟ قال : اشتدَّ برسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) وجعُه ؛ فقال : «ائتوني أكتبْ لكم كتابًا لا تضِلوا بعدي» ؛ فتنازعوا ؛ وما ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ ؛ وقالوا : ما شأنُه ؟ أهَجَر ؟ استَفهِموه ! فذهبوا يردُّونَ عليه . قال : «دعوني ، فالذي أنا فيه خيرٌ . أُوصيكم ثلاثًا : أَخرِجوا المشركين من جزيرةِ العربِ ، وأَجيزوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أُجيزُهم ..» . قال : وسكت عن الثالثةِ ، أو قال فأُنسيتُها .

[البخاري ومسلم]

الجمع بين الروايتين

الروايتان مذكورتان في الصحيحين ، وقد بلغتا درجة عُليا في الصحة ، فليس من سبيل للطعن في إحداهما ؛ والواجب هو الجمع والتوفيق بينهما ، حتى نخرج من إشكالية الاختلاف الظاهر للألفاظ وسياقها .

وبغض النظر عن سبب اختلاف الألفاظ وتباين سياقها وتركيبها ؛ فإن ذلك ليس مبحثنا في هذا الموضع ؛ فإنه بالإمكان التوفيق بينهما وترتيب أحداث القصة على النحو التالي :

  • أولاً : اجتمع نفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) في بيته وهو في حال الاحتضار ، بينهم عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) .
  • ثانياً : أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بأن يجهزوا له ما يكتب لهم به كتاباً لا يضلون بعده أبداً .
  • ثالثاً : قال عمر مقولته المعروفة .
  • رابعاً : تنازع من في البيت واختلفوا ، بين موافق لعمر ومعارض له .
  • خامساً : قال قائل منهم بعد حصول التنازع : “ما شأنه ؟ أهجر ؟ استفهموه !”
  • سادساً : صدّ النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين اقتربوا منه وأمرهم بالانصراف عنه .
  • سابعاً : أوصاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بثلاث وصايا ، نسي الراوي إحداها .

فإن أخذنا بهذا الترتيب لأحداث الواقعة ، ووضعناها في سياق ما تقرر لدينا بالدليل القطعي على صحة إيمان الصحابة ، وشدة محبتهم للنبي (صلى الله عليه وسلم) ، وفداؤهم له بالنفس والمال : أمكن لنا بذلك أن نتصوّر صورة مقاربة لحقيقة ما جرى في ذلك اليوم .

تصور مجريات الأحداث

كان الصحابة (رضي الله عنهم) في غمرة من الأسى ، تجترفهم الأحزان والآلام ، وهم يرون نبيهم (صلى الله عليه وسلم) على فراش الموت ، يكابد سكراته الشديدة ، وهم لا حول لهم ولا قوة ، ولا يملكون له نفعاً ولا عوناً ؛ وهم الذين أحبوه حباً جاوز حدود أنفسهم وأهليهم وأموالهم .

ومن شأن من حضرته الوفاة ، وقاسى سكرات الموت ، أن يحضر وعيه تارة ، ويغيب تارة أخرى ؛ فليس هو على الدوام في حضور من وعيه وإدراكه .

وفي هذا الظرف العصيب ، اجتمع أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) المقرّبون حوله ، في بيته الصغير ، وإن كان الواحد منهم ليتمنى أن يفدي النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه ، ويحمل عنه ما يلاقيه من شدة آلام سكرات الموت .

ومن شدة حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على أمته ، وسعيه الدؤوب لحفظها من الفتن ووقايتها من الاختلاف والفرقة ، أراد أن يكتب لهم كتاباً لا يضلون بعده أبداً .

ويظهر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أراد أن يوصي بالخليفة من بعده ، لا أن يكتب أحكاماً ووصايا شرعية ؛ إذ ما الذي دعاه لإخفاء وتأخير هذه الوصايا الشرعية حتى وقت الوفاة ؟! فضلاً عن أن في كتاب الله (تعالى) من الأحكام والوصايا ما يغني عن غيره . ولدينا من الأحاديث ما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه ، نوردها في موضع لاحق في هذه المقالة .

فقال عمر (رضي الله عنه) ، من باب الشفقة والرأفة بالنبي (صلى الله عليه وسلم) : إنَّ رسولَ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) قد غلبهُ الوجعُ ، وعندَكم القرآنُ ، حسبُنا كتابُ اللهِ .

وهو يعني بذلك التخفيف عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وعدم الإثقال عليه ، وأنّ الأمة بخير ما دام كتاب الله (عز وجل) بين ظهرانيها ، تقوم بأمره وتلتزم بحكمه .

راق هذا الكلام لبعض الصحابة ، فأخذوا به ؛ وبعضهم الآخر لم يعجبهم ذلك ، وأرادوا أن يُنفذوا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن يقرّبوا إليه ما يكتب به كتابه لهم .

وقد وقع اللغط والاختلاف بين الطائفتين ؛ وأثناء ذلك غاب وعي النبي (صلى الله عليه وسلم) ، أو ظنّ بعض الصحابة ذلك منه ؛ إذ ربما أغمض عينيه طلباً للراحة من شدة ما يجد من ألم الاحتضار .

فقال بعضهم : ما له ؟ أهجر ؟ .. أي : هل غاب وعيه ؟ .. إذ أن “الهجران” أصله الترك ؛ ويُطلق على غياب الوعي في أصل المعنى ، وعلى الهذيان في لازمه ، بحسب ما تقتضيه لغة العرب ، من إطلاق الألفاظ على أصول معانيها وعلى لوازمها .

وقال بعضهم : استفهموه ؛ أي : افهموا عنه ما يريد حقاً ، ليكون أمره بعد ذلك فاصلاً في النزاع القائم بين الصحابة .

وداعينا إلى هذا التصوّر أن ابن عباس (رضي الله عنه) ذكر أن قائل تلك المقولة جماعة من الصحابة ، لا فرداً واحداً منهم ؛ ولا يُمكن أن تُنسب مقولة كاملة قالها فرد واحد إلى جماعة دون تواطؤ مسبق عليها من جميعهم ، ما لا يحتمله ذلك الظرف أصلاً .

فيظهر أن ابن عباس (رضي الله عنه) قد جمع كلمات هذه الطائفة من الصحابة في مقولة واحدة للاختصار .

وعلى أسوأ الاحتمالات ، لو أخذنا بما تزعمه الشيعة الإمامية ، من أن القائل قد عنى “الهذيان” بمقولته تلك ؛ فمن الواضح أنه لم يقصد الإساءة ولا الطعن في النبي (صلى الله عليه وسلم) ؛ حتى لو قلنا إنه قد زلّ لسانه وأخطأ التعبير ، أو أنه لم يعلم أن الأنبياء (عليهم السلام) يمتنع في حقهم الهجران ؛ ودليل حسن قصده أنه أردف كلمته تلك ذلك بقوله : “استفهموه” .. أي : إنه يطلب فهم كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) ، لا الإعراض عنه والاستهزاء به ! .. بل وذهب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يردد عليه ما قاله حتى يتأكد من مراد النبي (صلى الله عليه وسلم) .

والإنسان عندما يوضع في ظرف من شدة الحزن والألم ، فإنه قد يزل لسانه وينطق بألفاظ لا تليق ، لا يقصد بها سوءاً ، لكن هذا ما وسعه في ذلك الظرف ؛ وهو أمر معلوم بديهة من الطبيعة البشرية .

وإحسان الظن والعفو عن الخطأ في حق الصحابة (رضي الله عنهم) الذين ثبتت عدالتهم بنصوص محكمة قطعية في الكتاب والسنة ، هو السبيل الذي يسلكه أهل السنة والجماعة في التعاطي مع متشابهات النصوص ؛ وهو منهج أهل العدل والتقوى .

فلما أقبل عليه هؤلاء النفر من الصحابة يستفهمونه ؛ يظهر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد جاءه ترويح وتسلية من الوحي ، فقال لهم : «دعوني ، فالذي أنا فيه خير» .

فأنبأه الوحي أن أمته لن تختلف بعده ، وأنه لا حاجة له بالكتاب ؛ لأجل ذلك ترك كتابته ؛ فإنه لو كان أمراً من الله (تعالى) ما وسعه سوى فعله ، دون اكتراث بقول أحد من البشر ، فإن الله (تعالى) يعصمه من الناس ؛ كما قال الله (عز وجل) :

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ

المائدة : 67

فأوصاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بعدئذ بثلاث وصايا ؛ ثم قال لهم : «قوموا عني» ؛ وذلك ليختلي بنفسه عند إسلام الروح إلى بارئها .

فخرج ابن عباس (رضي الله عنه) من البيت ، وهو يتحسر على ما وقع فيه من اختلاف الصحابة حول نبيهم (صلى الله عليه وسلم) ، ووصف ذلك بـ “الرزية” .

ونحن نقول أيضاً إنها رزية ، لكننا في المقابل نعذر هؤلاء الصحابة فيما وقعوا فيه ، باعتبار صحة إيمانهم ومحبتهم للنبي (صلى الله عليه وسلم) ، وقسوة الظرف الذي كانوا فيه ، على ما بيّنا آنفاً .

أدلتنا على هذا التصور

فضلاً عن الأدلة العامة التي توجب إحسان الظن بالصحابة ، هناك أدلة خاصة في هذا الباب :

مقاساة النبي (صلى الله عليه وسلم) لسكرات الموت ، وشدة البليغة عليه

قالت عائشة (رضي الله عنها) : إن من نِعَم الله عليّ أنّ رسولَ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) توفي في بيتي ، وفي يومِي ، وبين سحري ونحري ؛ وأن الله جمع بين ريقي وريقه عِندَ موته . دخل علي عبد الرحمن ، وبيده السواك ، وأنا مسندة رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) ، فرأيته ينظر إليه ، وعرفت أنه يحب السواك ، فقُلْت : آخذه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم . فتناولته ، فاشتد عليه ، وقُلْت : ألينه لك ؟ فأشار برأسه أن نعم . فليّنته ، فأمره ، وبين يديه ركوة أو علبة – يشك عمر – فيها ماء ؛ فجعل يدخل يديه في الماء ، فيمسح بهما وجهه ، يقول : «لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات» . ثم نصب يده ، فجعل يقول : «اللهم في الرفيق الأعلى» ؛ حتى قبض ومالت يده .

[مسلم]

إرادة النبي (صلى الله عليه وسلم) الوصاية بالخلافة لأبي بكر

قالت عائشة : قال لي رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) في مرضِه : «ادْعي لي أبا بكرٍ ، وأخاكِ ، حتى أكتبَ كتابًا ؛ فإني أخافُ أن يتمنى مُتمنٍّ ويقولُ قائلٌ : أنا أولى ، ويأبى اللهُ والمؤمنون إلا أبا بكرٍ»

[مسلم]

معرفة الصحابة بأحقية أبي بكر بالخلافة

عن عبدالله بن زمعة قال : لمَّا استُعِزَّ برسولِ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) وأَنا عندَهُ في نفرٍ منَ المسلمينَ ، دعا بلالٌ إلى الصَّلاةِ ، فقالَ : مُروا مَن يصلِّي بالنَّاس . فخرجتُ ، فإذا عمرُ (رضيَ اللَّهُ عنهُ) في النَّاسِ ، وَكانَ أبو بَكْرٍ (رضيَ اللَّهُ عنهُ) غائبًا ؛ فقُلتُ : يا عمرُ ، قُم فصلِّ بالنَّاسِ ؛ فقامَ . فلمَّا كبَّرَ : سمعَ رسولُ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) صوتَهُ ، وَكانَ عمرُ رجلًا جَهيرًا ؛ فقالَ رسولُ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) : فأينَ أبو بَكْرٍ ؟! يأبَى اللَّهُ والمسلِمونَ ذلِكَ . فبَعثَ إلى أبي بَكْرٍ (رضيَ اللَّهُ عنهُ) ، فجاءَ بعدَ أن صلَّى عمرُ تلكَ الصَّلاةَ ، فصلَّى بالنَّاسِ . قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ زَمعةَ ، فقالَ عُمرُ : ويحَكَ ! ماذا صَنعتَ بي يا ابنَ زمعةَ ؟ واللَّهِ ما ظَننتُ حينَ أمَرتَني إلَّا أنَّ رسولَ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) أمرَ بذلِكَ ، ولولا ذلِكَ ما صَلَّيتُ بالنَّاسِ . قُلتُ : واللَّهِ ما أمرَني رسولُ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ) ، ولَكِن حينَ لم أرَ أبا بَكْرٍ رأيتُكَ أحقَّ مَن حضرَ بالصَّلاةِ بالنَّاسِ .

[مستدرك الحاكم]

كرب الصحابة واغتمامهم البالغ بعد الوفاة

ما روي عن الصحابة من شدة كربهم وبليغ غمّهم بوفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) دليل بائن على أنهم لم يجتمعوا على خيانته في بيته ، ولم يقصدوا أذيته والإساءة إليه ، بل أرادوا راحته والتخفيف عنه .

الخاتمة

الواجب على المسلم إحسان الظن بالصحابة إلى أبعد مدى ، وهم الذين قد ثبتت عدالتهم وصدق إيمانهم بالأدلة المحكمة القطعية من الكتاب والسنة ؛ ولا ينبغي أن تترك هذه الأدلة على وضوحها وصراحتها ، إلى أدلة متشابهة مبهمة وغير صريحة ، تفترق إلى كثير من العناصر التي يقوم بها الحُكم الصحيح على الأحداث المروية .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله